تاريخ المسجد الأقصى في عهد الاحتلال الصليبي

by admin
805 views

د. شريف أمين أبو شمالة

تعد فترة الاحتلال الصليبي (الفرنجي) لمدينة القدس من أسوأ وأقسى ما مرت به مدينة بيت المقدس عموما والمسجد الأقصى المبارك على الخصوص، منذ الفتح الإسلامي عام 16هجري/ 636م، إذ استمر تحت الاحتلال  مدة 88 عاما (1099 – 1187م) منع خلالها المسلمون من الصلاة فيه وقد تم تحويله إلى مقر للقوات الصليبية الغازية القادمة من أوربا.  

انطلقت الجيوش الصليبية من أوربا بتحريض من رجال الدين وبدعوى تخليص القبر المقدس من المسلمين، لكن الأهداف الاقتصادية والأطماع الاستعمارية لقادة تلك الحملات كانت أوضح من أن تخفيها تلك الدعاوى الدينية، فتوغلت القوات الصليبية في الأراضي الإسلامية يقودها أمراء وفرسان أوروبيون مستغلين حالة الضعف الشديد التي أصابت الدويلات والإمارات الإسلامية المتنازعة فيما بينها.

وبعد سقوط العديد من المدن الشامية وإقامة الإمارات الصليبية، وصل الصليبيون إلى مدينة بيت المقدس التي كانت تحت السيطرة الفاطمية، ففرضوا عليها حصارًا استمر أربعين يوما حتى تمكنوا من اقتحامها، عام 492هـ/ 1099م، وحسب روايات المؤرخين الصليبيين أنفسهم فإنهم ولمدة ثلاثة أيام قتلوا جميع من كان في المدينة سواء كانوا من سكانها أو من التجأ إليها طمعا في الحماية حتى ملأت الجثث الشوارع والأزقة، قدرتها بعض المصادر بحوالي 70 ألفا، حتى صار السير في شوارع المدينة صعبا.

 كما شهد المسجد الأقصى فصلا مروعا من فصول تلك الغزوة الصليبية على مدينة بيت المقدس حين التجأ إليه الآلاف من السكان أملا في أن تحول حرمة المسجد دون قتلهم، لكن الصليبيين ذبحوهم هناك في المسجد حتى وقد تعددت المصادر التي تحدثت عن هذه المذابح سواء إسلامية أو صليبية، فيذكر المؤرخ المعاصر للحملة الصليبية الأولى في كتابه المسمى “أعمال الفرنجة” (Gesta Francorum): ” .. كان ]الصليبيون[ يقتلون ويذبحون وصولاً لمعبد سليمان ]المسجد الأقصى[ حيث كانت مذبحة عظيمة غاصت خلالها أقدام رجالنا في الدماء حتى الكاحلين ..”. ويضيف المؤرخ الصليبي ريموند دي جيل في كتابه (الفرنجة الذين استولوا على بيت المقدس) فإن المذابح الشنيعة التي تعرض لها أهل بيت المقدس في الشوارع والطرقات،” كانت أموراً صغيرة مقارنة لما حصل في معبد سليمان ]الأقصى] حيث كانت تقام الشعائر الدينية عادة. فماذا حدث هناك؟ إذا أخبرتكم بالحقيقة فإن ذلك سيتجاوز قدرتكم على التصديق. لذا دعونا نكتفي بالقول على هذا القدر، على أقل تقدير، لقد غاص الرجال [الصليبيون] في الدماء في هيكل سليمان وأروقته حتى بلغت ركبهم ولجام خيولهم. في الواقع، كان حكم الله عظيماً ورائعاً أن يملأ هذا المكان بدماء الكافرين [المسلمين]، لأنه قد عانى كثيراً من جحودهم. كانت المدينة مليئة بالجثث والدم”.

وفي كتابه تاريخ الحملة إلى بيت المقدس، يقول المؤرخ الصليبي المعاصر فوشيه الشارتري: “هرع آخرون هاربين إلى معبدي الرب وسليمان. وقعت معركة كبيرة في الساحة وأروقة المعبد، حيث كانوا غير قادرين على الهروب من محاربينا. هرب الكثيرون إلى سطح معبد سليمان، فأطلقت عليهم السهام ليسقطوا قتلى على الأرض. لقد قتل في هذا المعبد ما يقرب من عشرة آلاف. في الواقع، لو كنت هناك لرأيت أقدامنا الملونة حتى كواحلنا بدماء القتلى المذبوحين. لكن ما الذي يجب أن أرويه أكثر؟ لم يبق منهم أحد على قيد الحياة. لم تنج النساء ولا حتى الأطفال”،  ويضيف فوشيه إلى نهب القائد الصليبي “تنكرد” لكميات كبيرة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة كانت في المسجد الأقصى.  

أما المؤرخ المسلم ابن الأثير فيذكر في حوادث سنة 492 هـ: “وقتل الفرنج، بالمسجد الأقصى، ما يزيد على سبعين ألفا ، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم ، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف”، ويضيف ابن الأثير تفاصيلا عن قيمة الممتلكات تم أخذها من المسجد الأقصى، فمن قبة الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة ، وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا نقرة ، ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا ، ويختم بقوله: “وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء”.  

استخدم الصليبيون من أبقوهم أحياء من أهل مدينة القدس في تنظيف شوارع المدينة من جثث القتلى وكذلك ساحات المسجد الأقصى، وباشروا في إعادة استخدام المسجد الأقصى بحيث قاموا بعدة إجراءات هدفت لتغيير معالم وطبيعة الأقصى وتحويله إلى مرافق صليبية، ومنها:

  1. اتخذ ملك القدس الصليبي (تحولت مدينة القدس إلى مملكة صليببية عقب الاحتلال) المسمى بلدوين مقرا ملكيا له في المسجد الأقصى وتحديدا في المصلى القبلي.
  2. لما انتقل الملك الصليبي إلى مقر آخر، تم منح هذا المصلى لفرسان المعبد (الداوية) المعروفين بتشددهم وتطرفهم الصليبي، فغيروا معالمه وغطوا زخارفه، وقسموه إلى غرف وقاعات وجعلوه أقساما: كنيسة، ومسكنا لهم، ومخازن، ومقرا إداريا.  
  3.  حولوا قبة الصخرة إلى كنيسة، وسموها “كنيسة قدس الأقداس” وذلك بعد أن غطوا معالمها الداخلية ورموزها الإسلامية بالصور والتماثيل والرموز المسيحية. ورفعوا فوقها صليبا ذهبيا كبيرا.
  4. اتخذ فرسان المعبد من المصلى المرواني (الواقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى)، اسطبلا لخيولهم، وقد ثقبوا أعمدته لربط خيولهم، وأطلقوا عليه حينها تسمية (اسطبلات سليمان) وهي التسمية التي تعتمدها في الوقت الحاضر كثير من المراجع الأجنبية على خلاف الأصل.
  5. تم تحويل قبة السلسلة إلى كنيسة .
  6. بدأوا في إنشاء كنيسة في ساحة المسجد الأقصى ولم يتموها.
  7. جعلوا في الجهة الغربية من المسجد مستودعا لسلاح ومؤن الجنود الصليبيين.

وشهدت تلك الفترة من تاريخ الأقصى قيام القساوسة باقتطاع أجزاء من صخرة بيت المقدس الموجودة في قبة الصخرة ويبيعونها للحجاج والزوار بوزنها ذهبا ليعودوا بهذه القطع إلى بلادهم بحجة التبرك الأمر الذي تنبه له بعض ملوكهم فأمر بكسوة الصخرة بالرخام وإحاطتها بحاجز حديدي لحمايتها والإبقاء عليها خوفا من زوالها إذا استمرت هذه التجارة.

بقي هذا الحال المؤلم طيلة الاحتلال الصليبي لمدينة بيت المقدس قرابة تسعين عاما حتى عادت للمسجد الأقصى مكانته وطهارته بتحريره على يد السلطان صلاح الدين ومن معه من المجاهدين عام (583هـ/ 1187م).

Related Articles