تهويد الأقصى: المفهوم والسياسات

by admin
143 views

د. شريف أبو شمالة
رئيس مؤسسة القدس ماليزيا

يشير مصطلح “التهويد” إلى مجموع الإجراءات والسياسات التي يتبعها الاحتلال الصهيوني وجماعات “المعبد” الصهيونية تجاه مدينة القدس بشكل عام، لتغيير الطابع الديني والحضاري والسكاني الإسلامي والعربي للمدينة وفي القلب منها المسجد الأقصى، حتى يتمكن من تحويل هوية المدينة إلى مدينة يهودية بالكامل، ويركز الاحتلال وأذرعه في التهويد على ثلاثة محاور:

الأول: الإنسان، بتغييبه عن المكان ماديا ومعنويا، ونفيه من المجال العام والحيوي للأقصى.

ثانيا: الأرض، ما عليها وما تحتها، ويدخل في ذلك جميع ما يحدث بشكل مستمر من هدم للبيوت، أو سيطرة عليها ومنع ترميمها، حتى مصادرة الأراضي والمقابر، وتغيير أسماء الشوارع والمعالم، فضلا عن إرهاق الأقصى ومحيطه بالأنفاق وغيرها.

 ثالثا: المقدسات، وفي القلب منها المسجد الأقصى المبارك الذي يقع في عين عاصفة التهويد.

وتهويد القدس والمسجد الأقصى قديم في أدبيات الحركة الصهيونية، يدل على ذلك قول هرتسل Theodor Herzl (رئيس المنظمة الصهيونية العالمية): “إذا حصلنا يوماً على القدس، وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أُزيل كل شيء ليس مقدساً فيها لدى اليهود، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون”.

ولإلقاء الضوء على تهويد المسجد الأقصى المبارك يمكن رصد مجموعة واسعة من الإجراءات والسياسات التهويدية التي يمارسها الاحتلال، ويجب التذكير دوما أن هدف الاحتلال النهائي هو تدمير المسجد الأقصى لبناء معبد يهودي مكانه، وإن كانت إجراءات التهويد قد ظهرت بشكل واضح عقب احتلال القدس عام 1967، إلا أن محاولات عديدة سبقتها، خصوصا فترة تمكين المشروع الصهيوني على أرض فلسطين في ظل رعاية الاحتلال البريطاني.

ومن أمثلة إجراءات التهويد:     

  1. السيطرة على أجزاء من المسجد الأقصى.

حاول الصهاينة السيطرة على حائط البراق (الحائط الغربي من المسجد الأقصى المبارك) عام 1929 فانطلقت ثورة البراق التي أحبطت تلك المحاولة، لكنهم سيطروا على الحائط منذ عام 1967 بعد أن هدموا حارة المغاربة الملاصقة للحائط، (للمزيد عن حائط البراق وتهويده).

منذ احتلال مدينة القدس يفرض الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على أجزاء من المسجد، فقد صادروا مفاتيح باب المغاربة (الواقع في الحائط الغربي من المسجد الأقصى)، ويستخدمونه منذ ذلك الحين لإدخال المتطرفين ولاقتحامات الشرطة الإسرائيلية للمسجد.

ومن المواقع المهمة التي سيطر عليها الاحتلال (الخلوة الجنبلاطية) في ساحة قبة الصخرة، التي تم تحويلها إلى مركز شرطة للاحتلال داخل المسجد الأقصى! ومنه تنطلق كثير من الأعمال العدوانية ضد المرابطين في ساحات الأقصى.

ويسيطر الاحتلال بشكل كامل على بوابات المسجد الأقصى المبارك ليتحكم في الداخلين ويمنع ما يشاء من الشباب والشابات أو المرابطين، وفي عام 2017، حاول الاحتلال فرض بوابات الكترونية على مداخل الأقصى وتصدى لها الفلسطينيون بشكل حاسم حتى تمت إزالتها بعد أسبوعين من الاعتصام والاحتجاج التي عرفت باسم هبة باب الأسباط.

ويسعى الاحتلال في الوقت الحالي إلى مصادرة باب الرحمة وكامل المنطقة الشرقية من الأقصى التي تشكل خمس مساحة الأقصى ليقيم عليها كنيس يهودي داخل الأقصى. (للتفاصيل حول ذلك يراجع موضوعات:

أولا. خطة التقسيم الزماني والمكاني (2013). وثانيا: معركة حماية الأقصى من التقسيم الزماني والمكاني).

  1. الأنفاق والحفريات

منذ عام 1967، شرع الاحتلال في عدد من الحفريات والأنفاق تزداد بشكل مضطرد حول المسجد الأقصى وتحته، والتي بلغ عددها حسب آخر الإحصاءات أكثر من 64 حفرية جارية.

يدَّعي الصهاينة أن تلك الحفريات من أجل البحث عن المعبد المزعوم (الهيكل)، وتؤثر تلك الحفريات في أساسات المسجد الأقصى وقد تسببت بشقوق في جدرانه وأساساته، وانهيارات في البيوت والمنشآت المجاورة، كما نتج عن تلك الحفريات إزالة طبقات أثرية إسلامية شاهدة على تاريخ المسجد الأقصى المدينة الإسلامي.

يزيد خطورة هذه الحفريات أنها تجرى بخلفيات توراتية بعيداً عن المنهجية العلمية، لتثبت أن معبدا يهوديا أسطوريا كان موجود في موقع المسجد الأقصى، مما دفع بعض علماء الآثار اليهود ممن يحترمون المنهجية العلمية أنهم – رغم طول فترة عملهم في الحفريات- لم يجدوا ما يدل على وجود أثر يهودي في الأقصى أو تحته، وما وجدوا سوى آثار إسلامية تعود للعصور الإسلامية الأولى أو بيزنطية ليس لها صلة باليهود.

  1. الاقتحامات.

وهي اقتحامات دائمة يقوم بها مجموعات من المستوطنين والمتطرفين اليهود والسياح الأجانب للمسجد الأقصى، تحت حماية جيش الاحتلال، ويقوم المتطرفون اليهود بأداء طقوسهم التلمودية هناك. وفي السنوات الأخيرة ازدادت تلك الاقتحامات كماً ونوعاً، إذ يشارك فيها شخصيات حكومية وبرلمانية صهيونية، وتهدف هذه الاقتحامات إلى تثبيت وجود يهودي في المسجد الأقصى على اعتبار أنه جبل المعبد اليهودي (لتفاصيل وافية عن الاقتحامات).

  1. محاربة الوجود الإسلامي البشري في الأقصى. 

لا تنفك محاولات الاحتلال محاربة الوجود الإسلامي بفرض قيود عمرية على الفئات المسموح لها بالوصول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، بحيث يحرم في معظم الأحيان من هم دون ال50 عاماً من دخول المسجد الأقصى، خصوصا من الرجال، مما يضطر الآلاف منهم للصلاة في الشوارع على الأسفلت، حيث تقام حواجز الاحتلال الإسرائيلي التي تمنعهم من الوصول للمسجد الأقصى.

كما تمتد معاناة حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى لكل الفلسطينيين، الذين يسكنون قطاع غزة أو الضفة الغربية أو الذين في الشتات، باستثناءات بسيطة ونادرة من كبار السن.

ومن ذلك تجريم حلقات العلم والرباط وشد الرحال، حيث أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي قراراً باعتبار المرابطين والمرابطات في المسجد الأقصى تنظيماً إرهابياً، كما تشن “إسرائيل” حرباً منظمة على قوافل شد الرحال (هي حافلات تنقل المصلين من الداخل الفلسطيني إلى الأقصى) فأوقفتها ومنعتها من الوصول إلى المسجد الأقصى.

ومن المشاريع الخطيرة التي ينفذها الاحتلال هي فرض التقسيم الزماني والمكاني بحيث يضمن وجود أماكن وأوقات في المسجد الأقصى بدون المسلمين ليمارس فيها طقوسا تلمودية تهويدية كما سبق بيانه.

  1. تغيير أسماء الأقصى ومعالمه.

بلغ عدد الأسماء التي تم تغييرها في مدينة القدس حوالي 7000 اسماً، منها المسجد الأقصى المبارك، حيث يصر الاحتلال بشكل دائم على فرض أسماء توراتية على المسجد الأقصى ومعالمه، بهدف خلق صلات موهومة بينهم وبين الأقصى، وأخطرها إطلاق اسم “جبل المعبد/Temple Mount” على المسجد الأقصى، وتسمية أبوابه بأسماء توراتية مثل تسمية الباب الثنائي بباب خلدة. ولتعزيز هذه التسميات أصدروا بذلك الأدلة السياحية والقرارات الرسمية والخرائط المعتمدة، ووضعوا لافتة بذلك على باب المسجد.

  1. محاولات حرق وتفجير المسجد الأقصى.

مثل ما قام به أحد المتطرفين عام 1969م وقد أتت النيران على منبر صلاح الدين وجدران المسجد وأثاثه، وقد عرقلت السلطات الإسرائيلية عملية الإطفاء، والغريب أنها فيما بعد أخلت سبيل هذا المجرم بدعوى أنه “مجنون”، ولا يتحمل مسؤولية تجاه ذلك، وتكررت خلال الأعوام اللاحقة محاولات أخرى عديدة لتفجير الأقصى، منها عام (2015) عن طريق يهودي أمريكي بتوجه من منظمات صهيونية متطرفة، وقد تم اكتشافه قبل ساعات من تنفيذ عمليته (لتفاصيل وافية).

  1. منع أعمال الصيانة والترميم داخل المسجد الأقصى

مما يحرم المسجد الأقصى من فرص ثمينة في الحفاظ عليه وصيانة مرافقه وساحاته واستغلالها، ويحاول القائمون على المسجد، تنفيذ بعض أعمال الصيانة البسيطة هناك لكنهم يظلون عرضة للاعتقال والتجريم. ويذكر القائمون على المسجد الأقصى أن هناك 42 مشروعا لترميم الأقصى معطلة بسبب منع وقيود الاحتلال.

  1. محاصرة المسجد الأقصى.

وذلك ببناء الكُنس اليهودية عند أسواره، مثل الكنيس المقام في “المدرسة التنكزية” الملاصقة للأقصى، أو أسفل منه مثل كنيس (Wilson Bridge). وتنشط جمعيات يهودية بجلب اليهود من أصقاع الأرض لزيارة هذه الكنس ولربطهم بالمدينة المقدسة، فضلا عن ذلك، تقيم الحكومة الإسرائيلية ما تسميه “الحدائق التوراتية” فوق الآثار الإسلامية المحيطة بالأقصى.

وقد بلغ عدد الكنس التي تحيط بالمسجد الأقصى وداخل البلدة القديمة (مساحتها أقل من 1 كم مربع) 102 كنيساً.

وتتنافس الجمعيات اليهودية والحكومة الصهيونية في التخطيط لهدم المسجد الأقصى تمهيداً لإقامة معبد يهودي مكانه، وقد بنيت العديد من المجسمات للمعبد اليهودي الذي ينوون بناءه مكان المسجد الأقصى.

إن ما ذكر سابقاً من وسائل تهويد طالت المسجد الأقصى ومعالمه، هي أمثلة مختصرة وبارزة عن بعض ما يعانيه المسجد، غير أن الواقع الصعب والمر، وإجراءات التهويد أخطر بكثير ومليء بالتفاصيل المؤلمة والخطيرة.

Related Articles