المسجد الأقصى في العهد النبوي

by admin
108 views

عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم (610م)، كان المسجد الأقصى المبارك ومدينة بيت المقدس، التي عرفت باسمها الروماني إيليا Aelia Capitolina، ضمن أراضي مقاطعة فلسطين الأولىPalaestina Prima    حسب التقسيمات الإدارية للإمبراطورية البيزنطية التي امتدت من (390م حتى الفتح الإسلامي 16هـ/637م) باستثناء الفترة القصيرة التي سيطر فيها الفرس على المدينة (من العام الخامس من البعثة (614م) حتى استعاد هرقل المدينة عام (7هـ/ 628م).

وأهم ما مر بالمسجد الأقصى خلال تلك الفترة من أحداث، هي رحلة الإسراء والمعراج، وقد كانت بمثابة مصدر للأمل وتسرية عن النبي، بعد أيام شديدة وحزينة مر بها، حيث أسرى الله تعالى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه كان المعراج إلى السماء، لتلقي فرض الصلاة، وهو الحدث الذي خلده القرآن الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). [الإسراء: 1]

حدث الإسراء قبل الهجرة النبوية بمدة قصيرة (تحددها روايات بسنة أو ستة عشر شهرا)، وكان حينها الأقصى ضمن الأراضي التي تحت سيطرة الفرس، وتناولت روايات السنة تفاصيل تلك الرحلة الليلية من مكة إلى الأقصى، على دابة البراق، التي ربطها النبي في حائط المسجد الأقصى “في الموضع الذي يربط فيه الأنبياء”، ثم صلى هناك، ومنه عرج إلى السماء، ثم عاد إليه فصلى بالأنبياء إماما بعد أن جمعهم الله تعالى له في المسجد الأقصى، وهي ذات دلالة عظيمة في سيرة الأقصى ومستقبله، ثم رجع إلى مكة على البراق مرة أخرى. (للمزيد من التفاصيل عن الإسراء والمعراج)

وتلقي روايات عديدة الضوء على حالة المسجد الأقصى العمرانية آنذاك؛ فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الإسراء والمعراج، وأخبر قومه بخبر الرحلة، قابلوا روايته بالتكذيب، وطلبوا منه أن يصف المسجد الأقصى، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه”([1])، وفي رواية أخرى “لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط قال فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به”([2]) وتذكر بعض الروايات دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأقصى عبر أحد أبوابه، وهي روايات توضح وجود المسجد الأقصى آنذاك بأبواب وحوائط، كما أن طلب قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم الأقصى دليل على ذلك أيضا، ومعرفتهم بالأقصى أمر طبيعي نظرا لاعتيادهم السفر إلى تلك البلاد خلال رحلتهم التجارية الصيفية إلى الشام، المذكورة في القرآن الكريم (سورة قريش)، ويساند ذلك ما حدث مع أبي سفيان الذي استدعاه هرقل إلى بيت المقدس أثناء وجوده في الشام ليسأله عن أخبار وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم([3]).

وفي العهد النبوي كان المسجد الأقصى قبلة المسلمين سواء وهم في مكة أو المدينة المنورة، قبل تحويل القبلة إلى مكة المكرمة، فروى ابن عباس رضي الله عنه أنه ” كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ”([4]).

لم يؤثر تحويل القبلة إلى مكة في تقليل شأن الأقصى ([5])، إذ استمرت مكانته تتعزز بين المسلمين طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تعددت الشواهد على ذلك في السنة النبوية وسيرته صلى الله عليه وسلم، إذ تحفل السنة بإحاديث عن فضل الصلاة في الأقصى، وأنه من المساجد التي يشد لها الرحال، وأنه “نعم المصلى”، و”أرض المحشر والمنشر”، وغيرها من الفضائل العديدة. (للمزيد عن الأقصى في السنة النبوية).

وظل الأقصى حاضرا في عهد النبي كمسجد مقدس، ووجهة مستقبلية للفتح رغم ما كان يعانيه المسلمون من خطر وتهديد، ففي حفر الخندق (5هـ/627م) يبشر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بفتح الشام([6])، وبتتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد أنه قد رسم الخطوات الأولى في طريق تحرير المسجد الأقصى من الروم (البيزنطيين)، حين راسل النبي صلى الله عليه وسلم هرقل إمبراطور الروم أثناء قدومه إلى بيت المقدس، ليقدم الشكر لله على نصره على الفرس (7هـ/ 629م). ثم جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش مؤتة ليكون أولى خطوات الفتح العملية (8هـ/ 629م) وبذلك يوجه أتباعه إلى هذه المنطقة المهمة في الطريق إلى بيت المقدس، أما في غزوة تبوك عام (9هـ/630م) يبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفتح بيت المقدس وأنها من علامات الساعة القادمة لا محالة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري عن عوف بن مالك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: “اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة..ِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ … إلخ الحديث” “([7]). كما أن النبي بشر الصحابي شداد بن أوس بفتح بيت المقدس، حين قال له: “أَلا أَن الشَّام ستفتح، وَبَيت الْمقدّس سيفتح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتَكون أَنْت وولدك من بعْدك أَئِمَّة بهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى”([8])، وقد شهد شداد فتح الشام وبيت المقدس وسكنها، حتى توفي ودفن فيها عام (58هـ/677م)، وبقي عقبه في بيت المقدس كما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول، أن المسجد الأقصى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودا ومعروفا، وقد شهد رحلة النبي إليه ليلة الإسراء والمعراج، وترسخت قداسته ومكانته بنصوص القرآن وأقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن فتحه وتحريره كان حاضرا في تفكير وعزم النبي صلى الله عليه وسلم، وهي المهمة التي سيتولى تنفيذها الخلفاء الراشدون فيما بعد حتى تمت على يد عمر بن الخطاب عام 16هــ/ 637م.

([1]) رواه البخاري: ح 3673.

([2]) رواه مسلم: ح172.  

([3]) انظر القصة كاملة في صحيح البخاري: ح 7.

([4]) مسند الإمام أحمد بن حنبل.

([5]) يقدم ابن قيم الجوزية تفسيراً منطقياً لبقاء تعظيم شأن بيت المقدس، “وَهُوَ أَن الله لم يخلق شَيْئا وَلم يَأْمر بِشَيْء ثمَّ ابطله وأعدمه بِالْكُلِّيَّةِ بل لَا بُد أَن يُثبتهُ بِوَجْه مَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا خلقه لحكمة لَهُ فِي خلقه وَكَذَلِكَ أمره بِهِ وشرعه إِيَّاه هُوَ لما فِيهِ من الْمصلحَة …. فَمن ذَلِك نسخ الْقبْلَة وَبَقَاء بَيت الْمُقَدّس مُعظما مُحْتَرما تشد إِلَيْهِ الرّحال ويقصد بِالسَّفرِ إِلَيْهِ وَحط الأوزار عِنْده واستقباله مَعَ غَيره من الْجِهَات فِي السّفر فَلم يبطل تَعْظِيمه واحترامه بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن بَطل خُصُوص استقباله بالصلوات فالقصد إِلَيْهِ ليصلى فِيهِ بَاقٍ وَهُوَ نوع من تَعْظِيمه وتشريفه بِالصَّلَاةِ فِيهِ والتوجه إِلَيْهِ قصدا لفضيلته وشرعه لَهُ نِسْبَة من التَّوَجُّه إِلَيْهِ بالاستقبال بالصلوات فَقدم الْبَيْت الْحَرَام عَلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَال لِأَن مصْلحَته أعظم وأكمل وَبَقِي قَصده وَشد الرّحال إِلَيْهِ وَالصَّلَاة فِيهِ منشأ للْمصْلحَة فتمت للْأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَهَذَا نِهَايَة مَا يكون من اللطف وَتَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها”. محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، (بيروت، دار الكتب العلمية) ج2، ص32-33.

([6]) مسند أحمد بن حنبل: ج30، ص626.

([7]) رواه البخاري: ح 3031

([8]) مجير الدين، الأنس الجليل، ج1، ص244

Related Articles